محمد بن جرير الطبري
403
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وأما معنى قوله : " أن يضرب مثلا " ، فهو أن يبيِّن ويصف ، كما قال جل ثناؤه : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) [ سورة الروم : 28 ] ، بمعنى وصف لكم ، وكما قال الكُمَيْت : وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ . . . لأَسْدَاسٍ ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا ( 1 ) بمعنى : وصف أخماس . والمثَل : الشبه ، يقال : هذا مَثَل هذا ومِثْله ، كما يقال : شبَهُه وشِبْهه ، ومنه قول كعب بن زهير : كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا . . . وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ ( 2 ) يعني شَبَهًا ، فمعنى قوله إذًا : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " : إن
--> ( 1 ) هذا بيت استرقه الكميت استراقًا ، على أنه مثل اجتلبه . وأصله : أن شيخًا كان في إبله ، ومعه أولاده رحالا يرعونها ، قد طالت غربتهم عن أهلهم . فقال لهم ذات يوم : " ارعوا إبلكم ربعا " ( بكسر فسكون : وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا ، وترد في اليوم الرابع ) ، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم . فقالوا : لو رعيناها خمسًا ! ( بكسر فسكون : أن تحبس أربعًا وترد في الخامس ) فزادوا يومًا قبل أهلهم . فقالوا : لو رعيناها سدسًا ! ( أن تحبس خمسًا وترد في السادس ) . ففطن الشيخ لما يريدون ، فقال : ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس ، ما همتكم رعيها ، إنما همتكم أهلكم ! وأنشأ يقول : وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرَاهُ ، . . . لأَسْدَاسٍ ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا فصار قولهم : " ضرب أخماس لأسداس " مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره . وحقيقة قوله " ضرب : بمعنى وصف " ، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد ، يسوقها إليه لتسلكه . فقولهم : ضرب له مثلا ، أي ساقه إليه ، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق . وهذا بين . ( 2 ) ديوانه : 8 ، وفي المخطوطة : " وما مواعيده " ، وعرقوب - فيما يزعمون - : هو عرقوب ابن نصر ، رجل من العمالقة ، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم عليه السلام . وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة ، كما هو معروف في قصته .